Templates by BIGtheme NET
الرئيسية 5 كلمة الراعي 2017 5 كلمة الراعي الأحد 8 كانون الثاني 2017 العدد 2

كلمة الراعي الأحد 8 كانون الثاني 2017 العدد 2

كلمة الراعي

الإخوة والأبناء الأحباء،

في يوم السادس من كانون الأوّل تنتهي دورة الأعياد الكبرى لهذه الفترة، وتبدأ بعيد الميلاد، ورأس السنة تذكار ختانة السيد له المجد بالجسد. وهذا هو العيد الثالث، وهو عماد ربنا يسوع المسيح من يوحنا المعمدان لتتميم كلّ بر، وكانت المعموديّة أيضاً بالجسد، وهنا لا أريد أن أفصل وحدة الإنسان مع الكلمة، وتبادل الخصائص بينهما، ولكن أريد أن أشدِّد على أهمية الجسد البشري، ودوره في العمل الخلاصي، والمكانة الكبرى التي تعطيها المسيحيّة لجسد الإنسان. وقد زيّنَهُ الله بكل الميِّزات التي يحتاجها لإستمراره على هذه الأرض، ولكي يرتقي باستخدامها حسناً في مصاعد القداسة ومراقيها.

القديس يوحنا اللاهوتي في بداية إنجيله يشدد على الكلمة الذي كان عند الله، وهو الله هذا أخذ جسداً، وخيَّمَ بيننا.

الكنيسة تنظر الى الجسد على أنَّهُ هيكل الروح القدس، ولهذا لا يستحب، ويجب أن يحافظ عليه في حالة القداسة لأنه يجب أن يكون محل حلول النعمة. ويحذِّرنا الرسول بولص من جعل أجسادنا شركاء لأية خطيئة، فالإشتراك الجسدي في الخطيئة يضعف حساسيتنا للحياة الروحيّة، ويقسي قلوبنا، ويمنع عنها الإحساس بالحضور الإلهي، أو بانسكاب النعمة. لا يتقدس الجسد وحده، ولا النفس وحدها، بل كلاهما يتقدسان، ويشكلان شخصاً مقدساً أو قديساً. فالنفس لا تكون طاهرة إلا في الجسد الطاهر، والجسد لا يكون طاهراً إلا إذا كانت النفس طاهرة فحالة كل منهما تنعكس خصائصه على الآخر، وتصبح الثمار منسجمة مع الحالة الروحيّة لأيِّ منهما. ويتقدمان سويّة في الغاية والوسيلة معاضدتان بالنعمة الإلهية التي لولاها لما إستطاع الإنسان شيئاً.

هذه القيمة الكبيرة للجسد في التعليم المسيحي الأرثوذكسي تقابلها نظرة دونية للجسد مرتكزة على الفلسفة الأفلاطونية القائلة بأن الجسد سجن النفس يجب التخلص منه. وعن هذه النظريّة وغيرها من النظريات الشرقية قال المسيحيون العرفانيون بأن الجسد فاسد، وكل مادّة فاسدة، ولا يمكن أن يكون للفاسد إرتباط بالنعمة، فالله بعيد كل البعد، ولا يقترب منه لأنه كلي الصلاح. نتج عن ذلك: لا مناولة، لا قداسة، لا رفاة قديسين، لا شيء مقدَّس. والزواج هو مادة الموت، وأفسد الفساد.

يظن الكثيرون أن الرهبنة في الكنيسة هي ضد الجسد، وظنَّ الرومان أن المسيحيّة ضد الإنسانيّة. ولكن لا المسيحيّة ضد الإنسانيّة بل تحرِّرها من عبوديّة السلطة والكبرياء، والتباهي بالمكانات البشريَّة. وليست الرهبنة أي البتولية ضد الجسد بل مع ضبط الجسد، وعدم إطلاق العنان للشهوات. ويتحدّث النساك عن ترويض الجسد حتى لا يبقى في جموحه فيهلك النفس معه. كما يرمي الحصان الجموح راكبه فيؤذيه.

إن تشديد الكنيسة على الجسد عند السيد له المجد يدل على ما يجب أن ننظر به لأجسادنا، والغاية من وجودها. كأداة عيش حياة القداسة، ولكي تصبح في النهاية حرّة من كل عبودية.

أسأل الله لكم جميعاً تجديداً مباركاً، وأعياداً مستمرَّة بالفرح والسرور. آمين.

باسيليوس

                     مطران عكار وتوابعها