Templates by BIGtheme NET
الرئيسية 5 كلمة الراعي 2017 5 كلمة الراعي الأحد 15 كانون الثاني 2017 العدد 3

كلمة الراعي الأحد 15 كانون الثاني 2017 العدد 3

كلمة الراعي

المعرفة والخبرة

الاخوة والأبناء الأحباء،

نعيِّد في هذا اليوم عيد القديسين بولس الصعيدي ويوحنا الكوخي. ونعيِّد في السابع عشر من هذا الشهر لأبينا البار أنطونيوس الكبير معلم البريّة، وفي الثامن عشر منه، نقيم تذكار أبوينا الجليلين الاسكندريين أثناسيوس وكيرلس، وفي التاسع عشر نعيّد للقديس مكاريوس الكبير أيضاً من معلمي الحياة الروحية البارزين في تاريخ النسك شرقاً وغرباً.

كل الذين ذكرناهم لهم ميّزة مشتركة، وهي أنهم أمام الحقيقة المعاشة اعتبروا العالم كلا شيء.

وبالرغم من أنهم جميعاً بالنسبة لعصرهم كانوا من أصحاب المعارف العالمية، هيأت ظروفهم الاجتماعية الأحوال المناسبة ليحصلوا عليها، إلا أنهم أيضاً اعتبروا أن كل معارف العالم متغيّرة، والمعرفة غير المتغير الثابتة هي المعرفة التي تعطيها الحياة مع الله.

بولس الثيبي رأى الجهل في معرفة العالم، واقتناء معرفة الله بالخبرة أهم من كل ما يقدمه العالم.

وكذلك القديس يوحنا الكوخي ترك بيت الشيوخ في روما ليتنسك على أبواب كنيسة السيدة في اللاذقية، ويطلب المعونات لفقراء المدينة، وقد أعطاه الله كرامة في عيون الناس.

القديس أثناسيوس نفي من مركزه البطريركي حوالي 18 مرة قابلاً ذلك، لكي يكون إلى جانب الحقيقة التي سلمت دفعة واحدة للقديسين. وعلى هذا تابع الخطى القديس كيرلس الإسكندري عندما دافع عن الحق المعلن في الإنجيل أنّ العذراء، ومنذ لحظة الحَملِ بالسيد كان الجنين بطبيعتيه الكاملتين الإنسانية والإلهية. ولذلك يجب أن

تسمّى والدة الإله. قاوم بذلك أوطيخا وصديقه رئيس الوزراء خريسافيوس، واستطاع أن يثبت الحق وينصر الإيمان.

نتساءل لماذا رفضوا كل معرفة دنيويّة واتبعوا المعرفة التي كُشِفَتْ لهم مع أن المعرفة الدنيويّة فيها أيضاً الكثير من الحقائق. بالحقيقة لم يرفضوا المعرفة الدنيويّة، ولكنهم أرادوا أن يحيوها على المستوى الذي تستحقه توجهات خلاصهم. فطالما أن كلّ شيء به كوِّنَ وبغيره لم يكن شيء فعلى المعرفة التي يحصلون عليها أن لا تكون معرفة سطحية بل أن تؤدي بهم إلى اكتشافات أعمق وخاصة في خلاص النفس البشريّة. من يقرأ كتب الآباء يكتشف كيف أنهم في جهادهم الروحي قد سبروا أعماق النفس البشريّة، وإذا صدف ووجدوا عند إنسانٍ بعد المطبات في تركيبته الشخصيّة ما كانوا يتراخون في اعتبار ذلك عيباً في خلقته، بل يشيرون إلى كل شيء باسمه وليس كجيلنا الذي حلّل مالم يكن البشر يحلمون بأن يسمعوا بأن المنظمات التي تعنى بشؤون الإنسان قد حللته أو تدافع عنه.

معرفتهم إذاً لا يقبلونها على أساس عقلي، وضمن ما يقدمه المنطق البشري بل معرفتهم ترتكز في كلّ مقاييسها على ما ألهمه الله للرجالات القديسين. وعلى ما يلهمهم هم.

الفرق بين الذين يعتمدون المعرفة الفلسفية أنهم يقعون في الكبرياء ثم الهرطقة، أما الذين يسلّمون أذهانهم لما قاله، ويقوله الله فيتواضعون وينطقون دائماً بالحق، لأن الذي قال عن ذاته أنه الطريق والحق والحياة هو الذي يتكلّم على أفواههم ويتعرفون عليه من خلال الشوق والحب كونه هو محبة وستحق كل محبة، لا لشيء إلا لأنه يستحق.

المعرفة التي تأتي عن علاقة المحبة إذاً هي التي تثبّت المعرفة المدوّنة عن خبرة الأشخاص السابقين، وتعطي نعماً كثيرة، وكشوفات لا حد لها، أي تزيد من معرفة العارف، وقد تتغيّر المفاهيم عنده، ولكن الذي لا يتغيّر في حياته أنه يذوب في حب الله، ومحبة الناس وخدمتهم، والصلاة لأجلهم، وتصبح معاني الأشياء نتيجة لهذا الخبرة أكثر وضوحاً وعمقاً في الذهن، وهكذا يمكننا أن نفهم كيف أن هؤلاء الآباء تركوا أملاكاً. ومراكز حكومية ووظائفية واجتماعية واعتبروا كل شيء كلا شيء أمام إنفرادهم بحضرة الله متذوقين فرح معرفته ومزادين باضطراد بهذه المعرفة. فالمعرفة في المسيحيّة تأتي من الخبرة أي من مشغل تجارب الحياة الروحية، والحياة الروحية تزداد بازدياد هذه المعرفة المستقيمة الرأي، وهكذا يتوالى طرفي المعادلة يدفع الواحد الآخر نحو الازدياد حتى يصل الإنسان في النهاية إلى ملء قامة المسيح.

هذه المعرفة لا تعود تتوقف حتى ولا في السماء لأن الناس العارفين يتقدمون باضطراد من مجد إلى مجد، ومن بهاء إلى بهاء.

والعارفون المؤمنون يرتبون شؤون المعرفة ترتيباً صحيحاً. فالله قد جعل في الكنيسة أولاً رسلاً، ثانياً أنبياء، ثالثاً معلمين، وبعد ذلك رتب الرسول بولس أصحاب القوات والمعجزات المقسِّمين والمعزِّمين على الأرواح الشريرة. لأنه على الإنسان أن يطلب أولاً ملكوت الله وبره وكل ما يحتاجه يُعطى له ويُزاد.

بالفعل إن المعرفة بحسب العالم والتي هي بين أيدينا اليوم خَطِرة جداً وتولد الدمار، بينما العارف بالله، والعالم بالعلوم العالمية لن يعمل شيئاً يضر الناس، ويعرف الطريق السّوي ليجعل كلّ شيء لأجل خدمتهم.

أيها الإخوة الأحباء،

أهم أبواب المعرفة الثابتة هي الصلاة، والمناولة من الجسد والدم الطاهرين، ثابروا على ذلك تُغفر لكم خطاياكم، ويتقدّس العالم بكم. فليس كل المعرفة تأتي بالفعل والحواس المادية.

وفقنا الله أن ندرك ذلك بأعماقنا لنكون قديسين كما أن أبانا السماوي هو قدوس.

باسيليوس

                     مطران عكار وتوابعها