Templates by BIGtheme NET
الرئيسية 5 كلمة الراعي 2017 5 كلمة الراعي الأحد 29 كانون الثاني 2017 العدد 5

كلمة الراعي الأحد 29 كانون الثاني 2017 العدد 5

كلمة الراعي

الفطنة والذكاء في الحياة الروحية

هما كلمتان قد تعبّر الواحدة عن الأولى، ولكن الفطنة أوسع من الذكاء. لأن الإنسان الفطن هو الإنسان الذي يدرك الأمور ويباشرها حياة بقدر ما تناسب كماله في الفضائل والقامة.

وهناك كلمة يستخدمها الآباء القديسون تحمل نفس المعاني، وهي فضيلة التمييز.

أي تمييز الأشياء من بعضها البعض مهما تقارب مفاهيمها، وتوغل بها الزمن البشري في أعماقه.

عادة لا نوكِّل إنساناً بشيء مهم إذا لم يكن على درجة عالية من الفطنة والذكاء، وقادر على تمييز الأشياء، والأحوال، وانتقاء أفضلها.

الآباء القديسون لا يسلمون مهمة القيادة، والأبوة الروحية، إلا لمن ظهرت عنده الفطنة، وكان على درجة عالية من الخبرة والاقدام على تنفيذ ما يراه مناسباً أو ذا فائدة.

أيها الإخوة الأحباء،

ليس من الفطنة والذكاء أن يعمل الإنسان دائماً ما يعمله الناس حتى ولو كان جيداً. فكل عمل جيد ظروفه التي صار فيها، قد تجعلُه ظروف أخرى في غير حالة، وصفة ومقام. لهذا على الإنسان دائماً أن يستخدم عقله وحريته في عيشه، واختيار ما يناسبه. فهنا بيت القصيد. لأننا في زمنٍ، الناس فيه متشابهون، مع أنهم يدَّعون الحريّة، وعدم السماح لهذا أو ذاك بالتدخل في حياتهم. الحق يقال أن الناس في هذه الأيام تتشابه أحوالهم لأنهم بطريق مباشر أو غير مباشر يتدخلون في حياة بعضهم البعض، بينما في الماضي كانت حياة الناس وكلماتهم متشابهة لأنهم جميعاً ينهلون كلماتهم وحياتهم من الكلمة الإلهية، ومن الاقتداء بالناس الطيبين الصالحين، والقدوات الحسنة، ولا يدّعون أنهم أحرار إذ عرفوا أن الحريّة ليست في عيش الإنسان ما يريد بملئ حريته بل في اختيار الأفضل وعيشه بملئ حريته المسؤولة المصاحبه بفطنة وتمييز، وقدرة على عيش ما ينفع، وفي الظرف المناسب له.

كانوا يعرفون أن يربّوا أولادهم، وبتلك التربية والكلمات البناءة حصلوا على أجيال تعرف أن تبني وتقدر، وتعيد مكيال العناية والرعاية والمحبة أكيالاً مضاعفة. كانوا على علم ودراية بما يزرعون لأنهم على علم وخبرة بما سيحصدون، ولكن الأهم من أمور الدنيا والعلاقات مع الناس والصناعة والزراعة وغيرها، هي الحياة الروحية، وتقديس الإنسان، أي بناء الذات لا لتصبح فقط سامعة للكلمة الإلهية، بل وصائرة بالنعمة إلى حالٍ من القداسة. وهنا على الإنسان أن لا يرتبط بواقع أو بمجتمع بل عليه أن يصل إلى مرحلة يصبح فيها هو محط إرتباط التاريخ والمجتمع به. هذا معنى قول الرسول بولص: أن المؤمنين سيجلسون على كراسي، ويدينون أسباط اسرائيل الاثنا عشر.

تفكّر زكا كيف سيصل إلى معاينتهِ للمسيح فلو ركض كبقية الناس، واندس بينهم، لتدافعه الناس، وما كان باستطاعته أن ينظر إلى السيد إلاّ للحظات. ولكن زكا بفطنته اختار أن لا يدخل في الصخب والعجقة، بل أن يصل إلى مبتغاه بأسهل الطرق فصعد إلى الجميزة التي كان لا بد أن يمرَّ المسيح من تحتها. فرآه السيد وقال له: يجب أن أنزل اليوم في بيتك وصار الخلاص لذلك البيت. ذات الشيء صار مع الابن الشاطر عندما تفكّر حسناً وبشكل صائب، أي عندما عاد إلى رشده. فعاد إلى أبيه وتخلّص من الجوع والعري والحياة اللا كريمة، وغير اللائقة بالإنسان، فذبح له أبوه العجل المسمن، وألبسه الحلة الأولى، ووضع له خاتماً في يده. كثيرون يتيهون في الدنيا كالابن الشاطر، ويركضون وراء مالها وأحوالها بطرقٍ مشروعة وغير مشروعة فيصلون في الحياة إلى الأبواب المسدودة، ولكن من منهم قبل أن يبدأ عملاً يتساءل هل هذا صحيح يرضي الله أم لا يرضيه؟ هل هذا خطأ أم صحيح. بالتأكيد قليلون في أيامنا من يصل إلى هذه الحالة من الفطنة والاستعداد لأي عمل. حتى بتنا في حال الفشل الظاهر لا تقودنا التوبة للعودة عنه أي عن طريق الخطأ بل نكمل فيه، حتى لا يقال تراجعنا أو قد أخطأنا، وهكذا نرى أنّ الآخرين أفضل منا. نعم في هذه الأيام ينقصنا الذكاء المقدس، ولا ينقصنا الذكاء بحسب هذا العالم، ولهذا أن مجتمعاتنا قد خرجت عن جادة الصواب فكثرت الشرور وعمّ الفساد في كل مكان حتى صار أغلبه مقاييس حياة. وبتنا نبكي على أيام الاستقامة، والقناعة، والعيش الهنيئ. ولا شيء يعيدنا إلى الحياة الصحيحة والعيش الهنيئ إلا القرب من الله. فهل لنا ذكاء زكا، أو فطنة الابن الشاطر حتى نتدبر أمورنا لكي نعاين المسيح، ونعود إلى أحضان النعمة مكللين بكل فخرٍ وعزة وكرامة عائشين كما يليق بدعوتنا ومكانتنا بالنسبة للطبيعة المخلوقة، والطبيعة غير المنظورة. نعم الأمر يحتاج إلى فطنة وحزم، وبكل تأكيد، بدون الحرية المسؤولة لا يتقدس إنسان ولا يصل إلى النعمة.

أسأل الله أن يلهب في قلوبنا نار محبته لكي نقتاد في دروبه ونتعلم أن نختار صحيحاً لنصل إلى النهايات الصحيحة. ونكون كما نحب بالفعل ونشتهي. نعمته لتكن معكم. آمين.

باسيليوس

                     مطران عكار وتوابعها