Templates by BIGtheme NET
الرئيسية 5 كلمة الراعي 2017 5 كلمة الراعي الأحد 19 شباط 2017 العدد 8

كلمة الراعي الأحد 19 شباط 2017 العدد 8

كلمة الراعي

الإخوة والأبناء الأحباء،

هذا الأحد يُدعى أحد الدينونة. والدينونة ماثلة أمام البشر، وكأنها محكمة عدليّة يجلس فيها القاضي (الله) لكي ينظر في ملفات الناس. وهذا ما يرد في بعض صلواتنا. “ونهر النار يجذب أمام منبرك، والأفكار تفحص وإلى…”، وكأن لا رحمة عند الله. بالحقيقة الدينونة ليست كذلك. بل عند ميلاد كل إنسان يضع الله له في يده أمر خاتمة حياته أي دينونته. وهذا ظاهر من توزيع الوزنات.

لقد وُزعت على كلِّ واحد بقدر إستطاعته على التحمّل. فإن عمل بقدر إستطاعته كَتَبَ لنفسه تلك التهنئة المبتغاة والمشتهاة. “نعماً أيها الحبيب الصالح كنت أميناً على القليل فها أنذا أقيمُك على الكثير ادخل الى فرح ربك”. هذه الخيرات أعدّها الله لمستحقيها قبل إنشاء العالم. فالذي عمل إستحق، ليس لأنَّه حصَّل بعمله بل لأنه أثبت بالتجربة قدرته على التحمّل في المواقف الأكبر والأوسع فأمانته أهّلَته، وليس الوزنات بحد ذاتها. فمن يعمل خيراً سيُدرك الخير أينما وُجد، وتبتهج نفسُهُ فيه، ويلاحظُ موقعه منه. فالذي تاجر حسناً كَتَبَ لنفسه نتيجةً حسنة. كطالب يدرّسه معلمٌ ناجح، اما هو فإن دَرَسَ أخذ نتيجته، وإن لم يدرُس سيرسب ليس لأن المعلم سَيَحكم عليه، بل هو حَكَمَ بإهماله وتكاسلِه على نفسه بالرسوب.

في الدينونة الأخيرة، سيُكمل الإنسانُ الطريقَ الذي ساره هنا، وسينقّيه الله من غبار الطريق وأشواكه التي علقت عليه. فالله رحومٌ وليس دياناً. هذه الكلمة (ديّان) هي لتقريب أحوال الناس واختلافها على أذهانهم بما يتناسب وفهمهم. فمن يسير في طريق خطأ يصل الى النهاية الخطأ، ومن يختار طريق الفضيلة سيستمر في طريق النعمة، وهو يزداد مجداً. قال ربنّا يسوع المسيح: “ما أتيتُ لأدين العالم بل لأخلّص ما قد هلك”. وبالفعل هذا ما يحدث فيما يقال له الدينونة بأن الإنسان إذا كان قد حاز ولو على مقدارٍ ضئيل من النعمة سيستمر بسماح من صاحب النعمة الله تعالى بزيادتها في الحياة الآتية، وعلى أثرها يدخل ملكوت السموات، ويشارك الصديقين في ميراثهم. أما من تهاون وتكاسل في الحياة الروحيّة حتى النهاية لن يحصِّل شيئاً من النعمة، وبالتالي لن يدخل ملكوت السموات. فهو بموقفه من الله لم يسمح للنعمة الإلهية بتقديسه، فلن يدرك شيئاً من النعيم الإلهي في الحياة الآتية كما حدث مع الغني في مثل أليعازر والغني الجاهل.

إذاً أيها الإخوة الأحباء، كما أن الله يريد لنا الحياة هكذا يريد لنا الملكوت في الآتية، ومسرّته وملائكته بخاطئ واحد يتوب، أي يعود عن طريقه غير الصالح. فالإنسان يحكم على نفسه في أي الإتجاهين يسير.

أما الحصول على ملكوت السموات فهو شيء يسير بالرغم من وصف الطريق المؤدي إليه بالطريق الضيق. فلو خصَّص الناس في اليوم لحياتهم الروحيّة من الزمن، بمقدار ما يخصّصونه لأي عمل من أعمالهم، مثلاً تحضير فنجان القهوة وشربه، لشعروا بتقدّمهم في الحياة الروحية شعوراً ملموساً. أو واظبوا على المحبّة والمسامحة تجاه بعضهم البعض لشعروا بسرور النعمة يزداد في كيانهم. وأهمّ من هذا وذاك مشاركة المتضايقين في ضيقاتهم فهذه هي الديانة المقبولة عند الله.

ولا أجمل ولا أحلى عند الله من أن يُعطي من له لمن ليس له، وبهذا يكتمل ناموس الفضيلة كله، وخاصة إذا أعطى عن سعادة لا عن إبتئاس.

في بداية صومنا أسأل الله أن يهبنا الفهم اللازم لإدراك سُبُل نعمته، وأن يقوّينا للمسير فيها حتى النهاية لنجد أنفسنا في الضوء اللازم للتمتع بنور وجهه لا كما في مرآة بل عياناً.

ونعمته لتكن معكم في ذهابكم وفي إيابكم، في جهادكم الأعظم هذا لكي تصيّروا الأرض سماءً.

باسيليوس

                     مطران عكار وتوابعها