Templates by BIGtheme NET
الرئيسية 5 كلمة الراعي 2017 5 كلمة الراعي – العدد 10

كلمة الراعي – العدد 10

كلمة الراعي

الإخوة والأبناء الأحباء،

من الجمل التي يمكن للناس أن يتخذوها دستوراً في حياتهم قول ربنا يسوع المسيح: “مهما فعلتم قولوا نحن عبيد بطالون”. ويؤكد بعض الآباء القديسين الذين عملوا بتعاليمهم، وركزوا على خلق الإنسان وكيانه وعمله وتطوّره، أن الإنسان لم يستخدم من عقله إلا بمقدار (نسبة) كوب الماء الى البحر. هذا إيماناً منهم أن الله قد أعطى الإنسان كرامة تفوق كل الكرامات حتى الملائكة، هذا إن أراد الإنسان أن يكون صاحب هذه الكرامات. وكما نرى في أيامنا هذه فالعلم لا يتوقف عند مستوى معيّن بل يتقدَّم باضطراد. وبحسب ما يؤكده القديس غريغوريوس أخُ القديس باسيليوس، أن الإنسان خلاّق قد يصل عمله الى صنع إنسان.

في الحياة الروحيّة أيضاً الإنسان متطوِّر ولا يتوقف عند حالة معيّنة. يقول الرسول بولص: “نجمٌ يمتاز عن نجمٍ بلمعان”، قال ذلك في معرض كلامه عن القديسين والقداسة ومراتبها.

تسمي الكنيسة القديسين بحسب مراتبهم وطغماتهم، العظيم في الشهداء، العظيم في الآباء، أقمار الكنيسة، آباؤها الأبرار، معلموا البريّة. ويعترف الذين تقدسوا بمراتب بعضهم، وتفوّقهم عل بعضهم في هذا السبق القدسي الذي لا يتوقف من خلال العمل على الفضيلة لاستيعاب النعم الإلهية.

مرّة جاء واحد من شيوخ الرهبان الى جاره، وكان قد حاز على نِعمٍ مقدَّسة من مرتبة معيَّنة فلما وقف أمام بابه خرج تلميذ الشيخ يدعو الأب للدخول، ولكن الباب لم يفتح لهم. فقال الزائر للتلميذ

أوصل سلامي الى أبيك الروحي فلن يستجيب لنا سريعاً فلما إنتهى الشيخ من صلاته بعد ساعات، سأل تلميذه لماذا لم ينتظر الأب الزائر. فأورد عليه التلميذ ما قاله الأب الزائر. فكان جواب الشيخ لو لم يكن من هذا المستوى لما أدرك ما كنت أنا عليه. ثم يؤكدون أن أصحاب المستوى القدسي الواحد يدركون أحوال بعضهم البعض، ويعرفون المستويات التي هي أدنى منهم. ولكنهم يتحسسون من هم أعلى منهم، ولكن لا يعرفون، ولا يعيشون مستوى خبراتهم العالية.

إذا أردنا أن نُجْمِلْ كل ما ذكرت سابقاً نصل الى فهم ما جعل الذين ذكروا في الرسالة يتحملون العذابات والضيقات والشدائد، وتفوَّقوا على السيف والنار وسائر العذابات. كانوا ينظرون في المستقبل ما أراده الله لنا معهم محققاً بيسوع المسيح بعمله الخلاصي، أن نصبح ورثة لله الآب. وقد قال السيد لتلاميذه عندما تعجبوا من عجائبه وأعماله: “ستعملوا مثلها وأعظم”.

إذاً الكنيسة عندما تعلِّم عن القداسة والقديسين لا تعني أو تقصد قبيلة أو أفراد معيّنين في الماضي والحاضر، وكأن الله قد خصهم بما لم يعط لغيرهم، أو منح ذلك في زمن منعه عن بقية الأزمنة. لقد خصَّ الله البشرية جمعاء بكرامة عظيمة لو تبعتها البشريّة لصارت الأرض سماءً وتحقق القول: “كما في السماءِ كذلك على الأرض”. هذه هي دعوتنا اليوم، والتي علينا أن لا نتنازل عنها أمام أحوال الزمن الحاضر ومغرياته، والتي توصل الى العبوديّة بدلاً من الحريّة التي وعدنا بها إن نحن سرنا في سبلها. ونستطيع عند ذلك أن نقول ولا يتسلَّط عليّ أي إثمٍ.

أسأل الله أن يعطينا هذه النعمة، نعمة الفهم الصحيح، والتقدير الصحيح. لكي نعيش في سبل السلامة، وننقل هذه السبل بالعيان والخبرة الى الأجيال القادمة لكي نكون جميعاً متقدِّسين وحاصلين على الكرامة الإنسانيّة التي جاءتنا من المحبة العظيمة والفداء الكبير. وفَّقكم الله في ذلك، وشدَّد عزائمنا جميعاً لنكون كما يحب هو العلي القدير.

باسيليوس

                     مطران عكار وتوابعها