Templates by BIGtheme NET
الرئيسية 5 كلمة الراعي 2017 5 كلمة الراعي العدد 18

كلمة الراعي العدد 18

كلمة الراعي

الفرح والتعزيّة في الإيمان المسيحي

عند كل شعوب الأرض أفراح تفرضها، أو تقام بحسب ترتيبات أديانها وايديولوجياتها، ولكن فيها تهديد ووعيد يُفرض من سلطة خارجة عن الشخص كالرمي في النار، أو بين أيدي معذِبين، الخ…

هنا سأتكلم عن الفرح في المسيحيّة. إن هذه الكلمة ترد في أسفار العهد القديم، وفي العهد الجديد على السواء. إما بتعبير الفرح مباشرة وتحديداته اللغويّة، إما بكلمات واستنباطات موازيّة لهذه الكلمة وما تمثله من وضع.

تشير قصة خلق الإنسان إلى أن الله قد خلق البشر في الفردوس حيث لا همٌّ ولا حزنٌ ولا اضطراب مهما كان نوعه. ولكن كل هذا قد تغيَّر بعد السقوط مما سبب للإنسان الخوف والجزع من مقابلة الله. وفي نداء الله لآدم، آدم آدم: “أين اختبأت”، دلالة على عتب محب، وذلك بدلالة ما تبعه من وعود بالخلاص. بأنه سيجعل من نسل المرأة من يسحق رأس الحيّة.

ولكن الناس تابعوا مسيرتهم بالسقوط، وتابع الله بمحبته التي لا تحد ولا توصف، عمله البشاري “هكذا كلم الله الآباء بالأنبياء، وبطرق مختلفة حتى أنَّهُ كلمنا بابنه الوحيد في آخر الأيام”. إذاً قام سبحانه وتعالى بمتابعة تعزية الناس من خلال الوعود المتتالية بالخلاص، والوصول في النهاية إلى الفرح والغبطة اللتين لا يعتريهما حزن، ولا هم، ولا وجع، “وترد كلمة عزّوا عزّوا شعبي يقول الرب الإله”.

وفي كل عناد الشعب، ومعارضته للأمر الإلهي بقي الله يوعد الشعب بأن هناك بقية باقية، وأن الخلاص آتٍ لا محالة، وأيام الحزن منقضية وستليها أزمنة الفرح التي لا تنتهي.

مع أمه عند الصليب، بل وقفن في الدفن وعرفن مكان القبر، وأردن برغم كل الصعوبات والأخطار في الليل، والأخطار السياسية والتعصب، أن يذهبن ويتممن ما هو متوجب نحو الإنسان الإله الذي أحب حتى الموت موت الصليب، وأقام الموتى وشفى المرضى من كل أنواع المرض، وكان يتكلم كما لم يتكلم أحد من قبله، لأنه تكلَّم بسلطان. لقد تجاوزن كل أنواع الخوف والمخاطر وذهبن ليطيبن جسد يسوع. ولكن كان لهن الحظ أن يجدن يسوع قائماً من بين الأموات، وسبقن الرسل بالحصول على هذا الحدث، وأن يكنَّ أول المبشرات به.

نعم أيها الإخوة الأحباء، نحن مدعوون أن نكون سباقين في أعمال المحبة، مسرعين في طريق البرِّ، متكاتفين ومتعاضدين في سلوك دروب الفضيلة، غير آبهين للصعوبات التي تعترض. وفي النهاية، لا يريد أحد أن يثبت على الشر، ولا أن يدوم السوء. فلتكن إرادتنا متجهة نحو الخير نسلكه بأنفسنا نعلّمه بالقدوة لأولادنا، نعلن النور بالحياة لأترابنا، نطيّبَ الحياة بعطر السلوك الصالح. فلا تكتب لنا أيام من هذا الزمن فقط، بل وتكتب أسماؤنا بمداد لا يمحى في الزمن الآتي، في الحياة الدهريّة مع الملائكة والقديسين.

أيها الإخوة الأحباء، كم يتباهى الناس الصالحون بمواقف آبائهم، وعطاءاتهم، وصدق حياتهم، وبالفعل تنتشر ذكريات أعمالهم كما ينتشر الطيب في الأثير لا يستطيع شيء أن يمنعه عن إنتشاره.

أسأل الله أن تكون لنا جميعاً جرأة حاملات الطيب، لكن قبل كل شيء أن تكون لنا محبَّتهن. لأنه بدون المحبّة الخالصة، الإنسان ضعيف في تأثيره متردد أمام إختراق قلوب الناس. وفقكم الله جميعاً دائماً لتتجاوزوا كل خوف وتردد في سماع كلمة الله وحملها بكل جرأة للناس. وأسأله، بشفاعة السيدة العذراء وجميع القديسين أن يبعد عنكم كل الصعوبات ويزيل من دروب فضيلتكم كل معيقات إعلان محبتكم نحو جميع الناس، ولا سيما نحو المؤمنين. لتكونوا كما تشتهي قلوبكم من أبناء الفضيلة وعشاقها.

باسيليوس

                     مطران عكار وتوابعها