Templates by BIGtheme NET
الرئيسية 5 كلمة الراعي 2017 5 كلمة الراعي – العدد 20

كلمة الراعي – العدد 20

كلمة الراعي

الإخوة والأبناء الأحباء،

في حادثة السامريّة عند البئر، ولقائها بالسيد، أغوار عميقة من المعاني والمفاهيم الروحيّة، أهمها، إن العلاقة مع المسيح، تعطي فكر الإنسان أبعاداً رؤيوية جديدة، غير مرتبطة بمفاهيم الخضوع للواقع والموروث، والعلاقة مع السيّد أيضاً، تُسدِّد نظر الإنسان، وتنزعه من درب الخطأ، وتكشف كل شيء على واقعه، حتى تستنير الدروب بنور النعمة فلا يتيه الإنسان بعمى الكبرياء والأنانية، والأثرة القبليّة.

وليس أدل على ذلك من شيئين وَرَدا في النص الذي يُوضِحُ الحادثة، الأوّل عندما إعترفت السامريّة، بخطاياها إنكشفت لها الحجب الدينيّة، وازدلفت إلى الميادين الروحيّة، فتركت كلَّ شيءٍ وراءها عند البئر، وأسرعت مبشِّرة بالمسيح للذين في المدينة التي تقطنها، وبعد ذلك بشَّرت به حتى صارت شهيدة، وكأنها مع الرسول بولص تقول:”الموت بالمسيح ربح لي”. الواقع العام، يفرض كما عند الناس جميعاً، إلا بعضهم، محبة الحياة والهروب من الموت، حتى أن الناس تُفضل الرخاءَ على درب الصليب والجهاد، ولكن ليس عند الذين عرفوا المسيح، وارتبطت أرواحهم بعشقه، ووجودهم بوجوده، فهؤلاء إذ استذوقوا نعمته، إنشدت ركائب رغباتهم وشهواتهم وأمالهم إلى ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر.

الفكرة الثانية في الحادثة تقود إلى مفاعيل الأولى واعلاناتها، وهي في قول الرب محاوراً السامريّة: “أنتم تسجدون لما لا تعلمون ونحن نسجد لما نعلم … ولكن تأتي ساعة وهي الآن حاضرة إذ الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق”.

نعم وهذه هي غاية الحياة المسيحيّة وهي ان نسلك في النور غير متلمسين خطانا ومسيرتنا على طرق الذين سبقونا فقط بل وتصير خطواتنا ومسيرتنا هدى ونوراً للذين يبتغون الحق وطريق الاستقامة.

كان لليهود معرفتهم بمكان العبادة بناءً على النبؤات وإستدلالاً بالمعلومات التاريخيّة، وكان للسامريين استدلالالتهم وكتبهم وحدودهم التي تحدِّد معرفتهم بمكان العبادة، وكلا الطرفين كانا على قناعة تامّة بأنهم أصحاب المعرفة الصحيحة، وهذه عنجهية قبليّة وعنصريّة تظلم فيها أنوار المعرفة وتغلق أبوابها وتبقى معرفة بشريّة ناقصه تتحجَّرُ في جوف ظلامها وظلمها.

إذاً المعرفة قد تكون معابة إما بالنقص أو بعدم سلوكها خطوات متقدّمة واذا لم تكن معرفة السامريين واليهود من هذا النوع فلماذا قال السيد مؤكداً ان هذه المعرفة الناقصة والمتجمِّدة عند رؤية معينة، كلاهما خطأ ويجب أن يتغيّرا. فإذا كان موقف الرب من المعرفة الروحية هكذا فكيف بنا إذا أتينا إلى أحوالنا الروحيّة، ونحن نراقب أحوالنا في ظروفنا هذه وعصرنا الذي لم يبقِ قديماً على قدمه ولا ثابتاً على وضعه بل قد تغيّرت فيه حتى الكثير من المفاهيم التي من الممكن أن تكون هي الحق والحقيقة والطريق إليهما.

إذا أيها الإخوة الأحباء، إن الذي يحررنا من جمودنا، ومن النقص الذي يعتري معرفتنا هو ربنا يسوع المسيح الذي نحتاج أن نعرفه هو فقط، وليس شيء آخر معه، فهو الطريق والحق والحياة، وهو المنشط ومشدد العزائم لإدراك حقيقي لمناهل النور والسلوك نحو درب الإشعاع الروحي على المستوى الشخصي والإجتماعي، فالحياة الحاضرة فيها الغثُّ والثمين. فيها الصالح والطالح، فإذا أردنا حياة نقيّة طاهرة فيسوع وحده يعرفنا على الصالح فقط، ويبعدنا عن الشر، ويعطينا القوة والعزيمة والشكيمة لمقاومته، فننطلق إلى الأمام غير ناظرين إلى الوراء لنكون شهوداً لكلمته وشاهدين على أنها الحقيقة التي نتطوّر في مدارجها وسماواتها.

باسيليوس

                     مطران عكار وتوابعها