Templates by BIGtheme NET
الرئيسية 5 كلمة الراعي 2017 5 كلمة الراعي – العدد 23

كلمة الراعي – العدد 23

كلمة الراعي

المسيحية عنصرة العصور

الإخوة والأبناء الأحباء،

في هذا اليوم نعيّد لتذكار حلول الروح القدس على التلاميذ على شكل ألسنة نارية معطية كل منهم المقدرة على مخاطبة الشعوب فيفهمون عليهم ويُفهم عليهم.

والكلام الوارد في الحادثة على لسان الشعب الموجود في أورشليم “… فكيف نسمع نحن كل واحد منا لغته التي فيها فرتيون وماديون وعيلاميون، والساكنون ما بين النهرين واليهودية، وكبادوكيا وآسيا…”.

وبكل تأكيد هذه الشعوب كان لها لغاتها، وكان في البلد الواحد لغات متعددة، أي صار التلاميذ يحدثون الناس كلٌ بلغته، ولم يتمسك حملة البشارة في ذلك الوقت بلغة خاصة، بل خاطبوا الناس كما يفهمون. ولما أراد بولس الرسول أن يخاطب أهل أثينا حاول أن يخاطبهم بما يقرب من مفاهيمهم فكلمهم عن الإله المجهول، وكانوا ينصتون إليه إلى أن كلمهم عن القيامة من بين الأموات. ففي الديانة الوثنية لا قيامة من بين الأموات، ولا بعث ولا نشور، ولا حساب ولا حياة أخرى.

من الميزات المسيحية في عنصرة الحضارات قول يعقوب الرسول: “لأنَّ كل عطية صالحة وموهبة كاملة هي منحدرة من قبلك يا أبا الأنوار”. وبالتالي ما عندنا وعند الأخرين من جمالات هو من لدن الله، وعلينا قبوله وتثبيته.

ولما أراد الآباء شرح الإيمان المسيحي، أو الدفاع عن تجسد الكلمة وقيامته لم يتورعوا عن أخذ الصور الموضحة للتعليم وعقائد الإيمان من الفلسفة العالميّة بل واخضعوها لاستيعاب مفاهيم المسيحيّة وحضارتها.

وكما قام الروح القدس بتغيير طبيعة التلاميذ من خائفين إلى شجعان، وغير هيابين من شراسة المجتمعات أو الثقافات. هكذا نحن أيضاً بنعم الروح القدس، وفي كل عصر نُعطى الحكمة لاستيعاب معطياته فنكون شجعان في الرفض والقبول، وكأنّ الله يستعملنا في الحكم على صحيح الأمور من فاسدها، والتمييز بين الغث والثمين، والإنسان المسيحي لا يهلع من التغيرات الحاصلة فهذه هي سنة الكون على مبدأ الترقّي الدائم في اتجاهات عديدة.

كل العصور تحتاج للمحبّة. والمسيحيّة ديانة المحبّة.

كل العصور تحتاج للرحمة. والمسيحيّة ديانة الرحمة.

كل العصور تحتاج للمسامحة. والمسيحيّة ديانة المسامحة.

كل العصور تحتاج للتعاون. والمسيحيّة ديانة التعاون.

كل العصور تحتاج لمجتمعات أخلاقيّة؟ والمسيحيّة تصنع المجتمعات الأخلاقية بسمو العظة على الجبل، وعمق الكلمات التي فيها.

الأجيال كلها تحتاج لقواعد ثابتة ومتينة وخيّرة لا تَحوُّل فيها، والمسيحية تعطي للأجيال هذا الثبات، وتبقي المبادئ المسيحيّة ثابتة بالرغم من تحوّل الأجيال لجدليات أخلاقية شتَّى.

من ناحية أخلاقية. أعطت المسيحيّة لأتباعها كل أسباب الترقي من خلال قول السيد: “مهما فعلتم قولوا نحن عبيد بطّالون”. وفي قوله: “الروح يهب حيث يشاء”. فصارت الجامعات والمدارس والمؤسسات الصحيّة والرعائيّة. ولا يعيب المسيحيّة أنّ المسيحيين في كثير من الأحيان انغمسوا في السياسة والعسكريتاريا. فهذا ضعف في نفوسهم، وليس في مسيحيّتهم الرافضة لأي نوع من أنواع العنف إلا العنف التربوي الأبوي حتى، وفي هذه محاذير عديدة ويقول بولس الرسول: “لا تعنّفوا أبناءكم كيلا تُفشلوهم”. لقد كان المسيح مشتهى جميع الأجيال التائقة إلى السلام والعمران والتقدم والمعاملة الإنسانية، ولكن لم تصل الإنسانيّة ولن تصل في يوم من الأيام إلى أعماق معاني العظة على الجبل. وكل ما تفعله المنظمات الدولية يسير في مراقي الوصول إلى تلك القمة التعليميّة، وتارة يصيبون وتارة يخطئون.

فإذا أردنا أن نجعل الناس أنقياء طاهرين، وأن يعيشوا بسلام علينا بتعليمهم إرادة الرب يسوع، والاستناد إلى معونة الروح القدس، وكذلك أن نعلّم الناس قبول بعضهم البعض، لا يصح إلا بيسوع المسيح. إنَّ الحضارة العالميّة تعلّم الأنانيّة والخضوع للشهوات. أمّا المسيحيّة فتعلم المشاركة، ومحاربة الشهوات لإنجاح المشاركة. المسيحيّة تعطي مفهوماً جديداً للمفاهيم العالميّة وتقدّسها وتباركها وتعمّدها حتى تصبح كاملة بامتياز.

المسيحيّة ترفض الحرف، وتعبد الروح الذي يقود العالم بواسطتها للقداسة وللجرأة والشجاعة في مواجهة الخطأ والخطيئة، فتتقدّس ويتقدّس بها العالم.

وكل عام وأنتم بخير.

باسيليوس

                     مطران عكار وتوابعها