Templates by BIGtheme NET
آخر الأخبار
الرئيسية 5 مقالات المتروبوليت 2016 5 كلمة الراعي – العدد 15

كلمة الراعي – العدد 15

كلمة الراعي

الإخوة والأبناء الأحباء،

على الإنسان المؤمن لكي يعيش هذا الصوم عيشة لائقة كما يجب، أن يتابعها، أن يحياها، أن يتأمل بها، أن يعيشها، وأن يعتبرها هي صلواته وكلماته الموجهة نحو الله. في هذا الصوم لا يقام قداس إلهي، ولا مناولة. والمؤمنون عادة يتناولون كل يوم، لأنه في كل يوم هناك قداس إلهي. وما زال هذا قائماً في الأديار حيث يبدأون الصلاة باكراً الساعة الرابعة صباحاً، وينتهون حوالي الساعة الثامنة بالقداس الإلهي، بحيث إنهم عندما يرددون “المجد لك يا مظهر النور”، يرتلونها والشمس تشرق.

العادة في كنائسنا أن نقيم صلاة الغروب عندما نقول: “إذ قد بلغنا الى غروب الشمس ونظرنا نوراً مسائياً” تكون الشمس قد حطت في مغيبها. نعم هكذا الناس المؤمنون يرتبون أوقاتهم بحسب أعمالهم، وبحسب ظروفهم، ولكنهم لا ينسون على الإطلاق هذا الإنسجام الكوني بين حياتهم الروحية والمادية، ويستخدمون هذه وتلك لخلاص النفوس، وللسير في مراقي القداسة كلما أعطي لهم سبيلاً الى ذلك. وكل ما يصنعه الإنسان المؤمن كما يقول الرسول بولس، لا يصنعه هو بل يصنعه يسوع المسيح: “لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيّا”، هكذا يقول لنا الرسول بولس. والصوم عادة ليس كما نعرفه نحن بالانقطاع عن اللحم وعن الجبن، فالصوم هو الذي نعرفه في الأديار وعند المؤمنين المسيحيين الأوائل، إنكار كاملٌ للذات، وكأن الإنسان بالفعل يسير في صحراء لا ماء فيها ولا طعام، وإذا ما وجد الطعام فهو بعض الطعام الخفيف، مرة واحدة في النهار، ولا أكثر لكي يشعر هذا الإنسان أنه يستطيع ان يحيا مع المسيح بدون أن يركز إهتمامه على معطيات هذا العالم.

ينتصب عيد الصليب اليوم في وسط الصوم ليذكرنا بيسوع المسيح الذي عندما عطش سُقي خلاً ومرارةً، ولكي يذكرنا بما تَحَمَله هو من آلام لأجلنا، ويدفعنا بذلك لكي نتحمل نحن بعض التحمل الطوعي لأجل خلاصنا، ولنقاوة أذهاننا، ولنظافة أجسادنا، نظافتها داخلية.

الصليب يرافقنا في الصوم منذ بدايته، ،لأنه ليس فقط هو الإنقطاع عن الطعام والشراب، بل هو الإنقطاع عن كل أنواع الكره، والحسد، والبغض، والمخاصمة والشقاقات. نعم بدون الصليب لا يمكن للإنسان أن يزيلها عن عواطفه، ولا أن يتبع يسوع المسيح بدون الصليب، “من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني”. ومن سيتبع بيسوع المسيح لا يتبعه وهو محمّل بالخطايا، لا يتبعه وهو لم يحاول أن يشابهه. لأن الإنسان المسيحي عندما يحمل صليب يسوع المسيح يؤكد أنه يريد أن يكون كيسوع المسيح، ويحاول جاهداً أن ينزل كل هموم هذا العالم عن ظهره، هذه الأثقال عن كيانه، وإلا ما معنى أن الإنسان يصلب ذاته عن العالم، ويصلب العالم عنه كما يقول لنا الرسول بولس، بما معناه ان ما يعمله يعمله فقط ليسوع المسيح الذي به نحيا ونوجد ونتحرك.

الكثير من المؤمنين لا يريدون في هذه الأيام أن يسمعوا عن الصليب. حتى هناك ناس أحياناً تأخذ لهم الصليب حتى يضعونه في بيوتهم يعتبرونه “فال” ليس جيداً، مع أن الصليب هو أداة النعمة، هو أداة الخلاص، وهو الذي فتح أبواب الفردوس، وهو قوة الله، وحارس المسكونة، وجمال المؤمنين، وزينة الملوك، لماذ؟ نفسه الرسول بولس يقول الى أهل غلاطية: “حاشى لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح”. لماذا القديسة هيلانة لم تأتِ لتفتش عن كنيسة القيامة، أو على قبر القيامة. القديسة الامبراطورة هيلانة وهي أم الأمبراطور الأول قسطنطين جاءت تفتش عن الصليب، لأن الصليب هو ثبات المؤمنين، وهو الذي ثبت المؤمنين في جهاداتهم، وكانوا يتطلعون الى المسيح المصلوب، ويقابلون آلامهم بآلامه، وما يظهرونه بما تواضع هو وتنازل عنه، فكانوا يجدون أتعابهم لا شيء، وآلامهم كـ لا شيء أمام أتعابه، ولكن كما يقول الرسول بولس على لسان الله: “قوتي في الضعف تُكْمَل” تكتمل تصبح كاملة. نعم ينقص الناس في هذه الأيام الصليب، أن يحملوا الصليب، صليب المسؤولية. ما الذي أوصل المؤمنين في هذه الأيام أن يتراجعوا في كل النواحي، لأنهم لا يريدون أن يحملوا صليبهم، والمسيح قال: “من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه كل يوم ويكفر بنفسه ويتبعني”.

في هذه الأيام إذا الإمرأة إنزعجت من زوجها، تريد أن تتركه، أين الصليب؟ أنزلت الصليب عن ظهرها وكسرته على ظهره. وأذا رأى الرجال إمرأة أغنى من زوجته، أو أجمل من زوجته، يفعل نفس الشيء، يقول أن مصلحتي هناك، وليس مصلحتي مع التي إرتضت أن تكون شريكة حياتي، وصرت وإياها جسداً واحداً، فيذهب ويعمل ما يريد. هذا أين صليبه. وعندما يقرروا أن يتزوجوا يتفقون على إنجاب ولد أو ولدين، أو ولد مع هرتين ليلعبا مع الولد. أين هو الصليب الذي نتحدث عنه في سر الزواج. كم مرة نذكر في سر الزواج الشهداء والصليب وغير ذلك، نذكرهم مرات كثيرة. بدون الصليب الإنسان يصبح إنهزامي بلا مسؤولية. ليس هناك قيامة بدون الصليب، لأن الصليب هو السلّم المصعدة من حالٍ الى ما هو أفضل منه، وبالتالي هو المصعد من الأرض الى السماء.

فالمؤمن بدون التعب يعيش عالة على الناس. كل إنسان ليس فقط المؤمن، بدون الصليب الذي دعانا ربنا يسوع المسيح أن نحمله إنما هو إنسان فاشل، هو إنسان جاهل، هو الإبن الشاطر الذي لا يعرف الى أين يقوده هذا العالم. أما من تعلّق بالصليب فيعرف أنه لا يمكن لأنواء الدنيا بكاملها أن تزعزعه. رُفِعَ الصليب في هذه الفترة، لأن بعض المؤمنين يبدأون بالقول بأنهم قد تعبوا، وصحياً تعبانين، ويكونوا هم غير صائمين للظهر، ويأكلون في الصباح والمساء، يكونون قد إنقطعوا عن بعض الأطعمة. هل هذا صوم؟ هل الصوم يضر الجسم إنه لا يضر الجسم. في كل الدنيا، الذي يريد أن يعيش المسؤولية، عليه أن يعيش الصوم. الجيش الذي يرسل الى الحرب هل يتخم بالاكل. إذا تخم لا يستطيع ان يتحرك. الجيش الذي يرسل الى الحرب نطعمه ما يكفيه حتى يظل ذهنه صافياً، وحركته حرَّة بدون أي إعاقة لا جسدية، ولا فكرية. فكيف تكون حال الإنسان الذي يحارب مع القوات التي في الهواء كيف هذا يريد ان يأكل وهو متخم بالاطعمة، هذا لا يستطيع ان يحارب. الآباء يقولون أن هناك شيطانين يحاربان الإنسان، روحين شريرين. الأول يجعل الإنسان يأكل بشراهة، لدرجة يصبح ممسوكاً لا يستطيع أن يتحرك، يريد أن يذهب الى سريره حتى ينام، يصبح مثل الأفعى يريد أن يرتاح. ثم يذهب الأول الى شيطان الزنى ويقول له: إنه قد ربطه، ولا يستطيع أن يتحرك. إذهب واعمل به ما تريد. ضع في فكره ما تريده، يصبح مثل الحصان الهائج بلا لياقة ولا ترتيب ولا عاطفة ولا محبة ولا حنان.

الصوم الذي يذكرنا به الصليب اليوم، لنتابعه هو ضروري لكل نواحي حياتنا بدون إستثناء، وتشجعنا الكنيسة أن نتعهد أمام الله اليوم أيضاً قائلين: “لصليبك يا سيدنا نسجد، ولقيامتك المقدسة نسبح ونمجد”، ولتكن النعمة معنا جميعاً آمين.

باسيليوس

                     مطران عكار وتوابعها