Templates by BIGtheme NET
آخر الأخبار
الرئيسية 5 مقالات المتروبوليت 2016 5 كلمة الراعي – العدد 19

كلمة الراعي – العدد 19

كلمة الراعي

الإخوة والأبناء الأحباء،

 

الكلام في التقليد الإجتماعي الشرقي

ها نحن نعود سويّة الى زمننا العادي بعد أن إمتلأنا من أنوار القيامة المجيدة، وسطع الروح في أفئدتنا. لقد عدنا لنتدارس معاً الشؤون والشجون على صفحات النشرة الكنسيّة، والتي إعتدنا أن نسلط الضوء على ما يهمنا من مواضيع.

واليوم سنتكلَّم عن الكلام عند الشرقيين، أي كيف يتكلمون، ومتى يكون كلامهم إيجابياً، ومتى يكون سلبياً، وفي أي وقت يتكلمون مع هذا أو ضد ذاك، وما تأثير المجتمع والتربية على أنواع الكلام، والحديث عند الشخص الواحد، وبماذا يتأثر كل واحد منا، وما هو الكلام المقبول عند الله.

إن الكلام يعكس المدى التربوي الذي حصل عليه كلّ واحد. فإذا كان مثقفاً جاء كلامه حاوياً الثقافة، ومحتويات ما طالعه، وثبت في فكره من الكتب ومواضيعها، ويزداد الكلام رصانة بقدر التربية العالية التي يحصل عليها الإنسان في بيته أو مع رفقته. نسمع الكثير من الآباء والأمهات الحريصين على أسماع أبنائهم كي لا تدخلها كلمات بطّالة، وتثبت في أذهانهم، وفي ثقافتهم، وحرصاً منهم على عدم إستعمالها. وتأكيد على أهمية الكلام في التعريف عن الإنسان وشخصيَّته. مرّة تظاهر أمام الحكيم سقراط شاب بثياب جديدة ومرأى حسن، فقال له سقراط الفيلسوف: “تكلَّم حتى أراك”. ونحن نعلم الأمثلة الكثيرة التي يشدد فيها المجتمع على نوعية الإنسان من كلامه. قال أحدهم: “ما سقط من عينيَّ أحد إلا بعد أن تكلَّم”. ولأهمية الكلام وتفوّقه على كل العلوم، قال أحد الحكماء العرب:

“لا يدخل من هذا الباب من لم يتعلم الحساب”. إذاً لا يكفي أن يتكلَّم الإنسان، ويدخل في المواضيع بل عليه أن يكون صاحب ذهن ذي ترتيب، ويعطي الأقوال معانيها التي تحملها من خلال توارد ترتيبها.

وكما أن المجتمعات الإيجابية تعلِّم الإنسان الكلام الإيجابي، هكذا المجتمعات السلبية تعلِّم الإنسان الكلام السلبي.

يولد الطفل عندنا، وبعد أن يستطيع النطق بـ “بابا” و “ماما”. نبدأ بتعليمه كلمات لا نرضاها من الكبار لأي واحد حتى بتنا نبرر ذلك السوء (شتيمة الطفل رحمة)، وبدلاً من أن نعلمه أن يبارك، نعلمه أن يلعن ويشتم، وبدلاً من أن نعلمه كلمات حميدة نقلب عنده مفاهيم الفرح، ونعلمه أن يتلفظ بالكلمات التي يخجل من نطقها الكثيرون، وكلما زاد الطفل في تردادها نزداد نحن بالتعبير عن سرورنا، ولهذا عندما نكبر لا نرى ضرراً، ولا نشعر بالسوء من تردادها.

ونرى أن التشاتم والتسابب بين الشباب والرجال، حتى الحديث في أمور خاصة وغير لائقة، بين النساء لا تجرح مشاعر أحد. مع أنه، كما أن بعض الأعمال لها خصوصيتها المطلقة، هكذا يجب أن يكون للكلام خصوصية المطلقة في كثير من الأحيان. فما تحدِّث به زوجتك، لا يمكنك أن تحدِّث به أياً كان، وما تحدِّث به الأطفال، لا تحدِّث به الرجال. وما تحدِّث به صديقك، لا تحدِّث به المسؤول عنك، وهلما جرَا.

ولكن هناك ناحية يتقاطع فيها الناس جميعاً مع بعضهم، وخاصة في هذا الشرق، وهو يعاني من الإنقسامات على كافة الصعد، ولا يغيب عنه أي نوع منها. فيه الإنقسامات الدينيّة، والحزبيّة، والقوميّة، والعائليّة، والطائفيّة، والمذهبيّة، وتزيد على ذلك الإلتفات حول الزعامات في ما يقال العبادة الشخصيّة. وإذا غابت هذه ينقسم الناس بين الحارة الغربيّة والشرقيّة، والحارة الفوقا والتحتا. ويشكل الناس النظرة السلبية تجاه مضاديهم. وقد صار ذلك عادة تقييم أي موضوع. وكذلك تلقي الآراء حول الأشخاص والمواضيع. فالصراع نتيجة الإنقسامات المتعدِّدة أرخى بظلاله على فكر الناس بشكل عادي تجاه مخالفيهم. فيظن من يقول كلاماً طيباً بمن يخالفه أنَّهُ قد كُسِرَ وتزلزلت أركان موقفه وموقعه. حتى أن البعض يضطرون إذا ما مدحوا شخصاً أمام آخر أن يؤكدوا أن الآخر ليس أقل عندهم ممن يمدحون.

ولكن الأدهى من كل هذا إصرار الناس على القول السلبي فيما يرونه إيجابياً، ومهما كانت إيجابيّته ونجاحاته. مثلاً بالرغم من كل العمل الهائل الذي تقوم به الكنيسة الإنطاكية في شتى المجالات الروحانية والعمرانية، والإهتمام بشؤون المواطنين المقيمين والمهجّرين والمهاجرين على حدٍّ سواء. نسمع كلاماً سلبياً حول الكنيسة يراد به الشرَّ والسوء من قبل البعض، ويردده البعض ببغائياً بلا تروٍّ وبلا بحث ولا تأمل، إما لأننا لا نريد أن نتعب أنفسنا في الدفاع عن الذين يعملون خيراً، أو لا نريد أن نقف في المواجهة مع من بالكذب يسيؤون إلى إيجابيات الكنيسة، وكثيراً ما تدخل المصلحة الشخصيّة في ذلك. فيقيس الإنسان الشيء بمجمله بمقاييس المصلحة الجزئية فيصوِّر الدنيا ظلاماً وشقاءً وجوراً.

أيها الإخوة والأبناء الأحباء،

لنعلّم أطفالنا الكلام المهذّب، ولنغني أذهانهم بالأحاديث الإيجابية عن هذا أو ذاك، لكي يزداد صحة وعافية، ولا نودع في قلبه البغض والحقد والسوء.

لنعلّمه كيف لا يتلقى ويقبل ما يتلقاه على علاّته، بل لنأخذ بيده ليصبح هو المسؤول عن تكوين فكره وموقفه فلن يستطيع عند ذلك أن يسيطر عليه أحد. وسيكون مشاركاً في الأمور الإيجابية والبناء، وتزداد حريّته وقوة شخصيته، ومسؤوليته عمّا يقول.

نعم سنُحاسَب على كل كلمة بطّالة نتفوّه بها. فالمسؤولية الإيجابية في الكلام منجاة في هذه الدنيا، ومكافأة في الآتية.

أطلب من الناهض من بين الأموات أن يجعل في حياتكم كلَّ شيء جديداً. ونعمته لتحفظكم بالمحبة والتوفيق.

باسيليوس

                     مطران عكار وتوابعها