Templates by BIGtheme NET
آخر الأخبار
الرئيسية 5 مقالات المتروبوليت 2016 5 كلمة الراعي – العدد 20

كلمة الراعي – العدد 20

كلمة الراعي

الإخوة والأبناء الأحباء،

 

الإنتخابات القادمة

يبدو أن شأن البلديات في لبنان، وفي غير لبنان لا يهم الدول العظمى، وبما أن تأثيره داخلي صرف، وعلى بعض الأمور البسيطة، تُرك هذا الأمر للناس يتلهون به عن المخاطر العظيمة التي تحيط بالبلد وأهله، وماضيه، وحاضره ومستقبله. ويبدو أنَّه لا مانع لدى القوى الخارجية أن تجري الإنتخابات البلديّة طالما أن القوى السياسيّة التي تديرها لها إرتباطات خارجية، وهي بيد القوى الخارجية تأتمر بأمرها، ولهذا لا غضاضة في أن تجري وعلى فترة طويلة طالما أنها إضافة الى البحث عن لقمة العيش الكريمة تلهي الناس في مجالات ليست بذات تأثير على العمليّة الكبرى الجاريّة في الشرق الأوسط. ويبدو أنه لسبب أو آخر تحوز هذه الإنتخابات على تأييد الدول اللاعبة في الشرق الأوسط، وسبب ذلك حاجتها لمن يتواصل معها من المجتمع المدني أيضاً في شؤون عديدة.

وبهذه المناسبة نسأل الله أن يلهم الجميع المحبّة والديمقراطية الحقة حتى لا تتغلغل الأحقاد في الصدور، وهي خدمة عامَّة إذا مورست بشرف لا تغني عن جوع. وأعرف الكثيرين من الذين جعلوها خدمة عامة ذات سمو ووطنيّة. وما أريد أن أؤكد عليه في هذه الكلمات هو دور الإكليروس في العمل الإنتخابي.

الكاهن هو أب، وأبوّته تأتي بالنعمة المعطاة له بسر الكهنوت مباشرة، وبالتالي يعود في أبوّته الى الله، وهو موكل بالخدمة، فالجميع أبناؤه لا يمكنه أن يفرق بين حنا وجورج، أو هذا أو ذاك من أبناء البلدة، أو القرية، أو الدسكرة.

وإذ أن الإنتخابات بحسب ما اختبرها الجميع تورّث أحقاداً وخصومات وزعل، فالأفضل للكهنة في رعاياهم أن لا يكونوا طرفاً مع أية جهة مهما كانت وعظم أو قلَّ شأنها. والكاهن الذي ينحاز الى هذه الجهة أو تلك لا يكون أباً بل أجيراً. وإذا دخل في تفاصيل الإنتخابات مع هذا أو ذاك فيمكنني أن أسميه مستغلاً بالسوء للمهمّة التي أوكلتها إليه الكنيسة، ولا يتاجر بالوزنات الموهوبة له تجارة حسنة. الكاهن يجمع ولا يفرق، يطفئ لهيب الخلافات ولا يؤججها.

أقول هذا لأن الإنتخابات في مفهومها العددي والعائلي والطائفي ليست ديمقراطية، وصارت تهدف لخدمة بعض المتنفذين من الأفراد أو الأحزاب أو التيارات. مع أنَّ مفهوم الإنتخابات حميد لأنّهُ يهدف لإيصال من برهنوا على غيرتهم وخدمتهم في مجتمعهم الى الموقع الذي يتيح لهم الخدمة بشكل مركَّز أوسع.

أما ما نراه ونختبره ونعاينه هو أن الصراعات الإنتخابية باتت تقلق المجتمع وتخيف الناس. وقد يصل الى مركز الخدمة من لا يوقِّرُه ولا يعرف عنه شيئاً. بات مفهوم الديمقراطية في هذه الأيام مغلوطاً، فأُخذت بالمفهوم العددي بالرغم مما يحويه هذا المفهوم من مخاطر.

إن الكثيرين من أصحاب الخدمات الإجتماعية لا يقدمون على الوظائف العامّة بسبب مهابتها، وقوّة تأثيرها في المجتمع، وعلى أفراده فيتحاشون الدخول فيها.

في الأديار يهرب من الرئاسة الذين وصلوا الى مراحل عليا من المحبَّةِ والقداسة، وذلك لكي يهتموا بخلاص نفوسهم. فأتعجب ممن أوكل إليه الله مهمّة خلاص النفوس أن ينخرط في مجالاتٍ نتيجتها كما اختبرناها، إرساء الخصومات وإشعال الخلافات والإنقسامات.

كيف يستطيع من إختار الله أن ينتمي الى غيره، ويدلُّ ذلك على أن العمل مع الله لم يملأ كيانه وعاطفته، وبالتالي إيمانه ناقص، وفيه كثير من الإدعاء.

لا يدخل الإكليركيون الإنتخابات ليس فقط لأن الكهنوت هو المهمة الأسمى من كل الوظائف والرتب العالمية، بل لأن الكاهن والإكليريكي يترك ما هو لقيصر لقيصر، ويشتغل بما هو لله في مهمة جلَّ مبتغاها خلاص النفوس ولا غير. كيف يسمح بعض الآباء لأنفسهم خوض غمار الإنتخابات الى جانب جهة من أبناء الرعية ضد جهة أخرى من أبناء رعيته. إذاً قد صار من أعداء الكنيسة، ومن المفسدين في الداخل، وأعداء الداخل أشد مكراً وخبثاً من الذين يواجهون من الخارج.

ينخرط الكاهن في بعض الإنتخابات أو الصراعات إذا كان الهدف تأييد الإيمان في وجه من ثبت عداؤه للكنيسة، وافتضح شرُّه تجاه الناس والمجتمع بشكل عام.

إن دخول الإكليريكيين الى ميدان العمل السياسي الإنتخابي لهو مهزلة بحق الكنيسة، وبحق الشخص ذاته، وتعلق بالدنيا، ومخالفة قول القديس غريغوريوس اللاهوتي على أن العمل الروحي هو الأسمى، وبالتالي القائم بالعمل الروحي هو الأسمى.

وبناء على ما اختبرناه، أسأل الآباء الكهنة، ومجالس الرعايا، العمل على إشاعة روح التوافق بين أبناء رعاياهم التي أوكل إليهم رعايتها نيابة عن المطران. وأن لا يوجدوا في وقت من الأوقات في مجال إستغلال الأحزاب والزعامات لهم. لأن هذا كالالتجاء الى معسكر الجيش والتباهي بمصاحبة أصحاب السلطات المدنية التي توبخ عليها القوانين الكنسية. لقد عمل ويعمل آباء كهنة في رعاياهم على الإقلال من الخلافات، ولكن يوجد آباء يفضلون الزعامة على صالح الرعية، وبالتالي مستعدين أن يضحوا بالرعية وهدوئها ووحدتها في سبيل مصلحتهم الشخصية بدلاً من أن يكونوا كسيّدهم يسوع المسيح يضحون بمجدهم العالمي لأجل الرعية، ولكي ينجذب الجميع بالسلام الظاهر في تعليم الكنيسة وأعمال خدامها. وعندما يحدث أي خلاف مع أي كاهن بسبب الإنتخابات والإنجرار وراء هذا أو ذاك، فالمطرانية غير مسؤولة عن أي سوء يوجه له إن كان بالكلام أو بالعمل.

رجاؤنا الى الله أن نحمل الى الناس طيب المحبة العام الشامل، ونبتعد عن كل ما يسيء الى وحدة الكنيسة، ولُحمة أبنائها.

باسيليوس

                     مطران عكار وتوابعها