Templates by BIGtheme NET
آخر الأخبار
الرئيسية 5 مقالات المتروبوليت 2016 5 كلمة الراعي – العدد 32

كلمة الراعي – العدد 32

كلمة الراعي
بتقليدات شيوخكم أبطلتم أعظم ما في الناموس
الإخوة والأبناء الأحباء،
قال الرب هذه الكلمات متوجهاً الى اليهود الذين أبطلوا المحبة، والتي هي الأعظم في وصايا الناموس: “أحبب الرب إلهك… أحبب قريبك كنفسك”، وبهاتين الوصيتين يختصر الناموس كله.
في كثير من الأحيان نشعر وكأن هذه الوصايا موجهة إلينا في عصرنا الحاضر. في هذا الزمان والحمد لله، مازال لله أناس متعلقين بعبادته ومحبته، والكثير مازالوا متمسكين ببعض التذكارات الدينية مثل الأعياد الكبرى: الميلاد والفصح، وَخَبَتْ عظمة الكثير منها كعيد الغطاس والعنصرة إلخ
ومازالت بعض أعياد القديسين تحمل أهمية كبرى من الزمن الغابر، ويقومون بها الناس كما يستطيع كل واحد وحسب إمكانياته الماديّة والروحية.
وبعودة بسيطة الى حال هذه المواسم والمبادئ، وبناءً على ما كنا نسمعه، نرى أن المؤمنين في الزمن الغابر كانوا يتمسكون بالشؤون الروحية بالنسبة لهذه الأعياد، ويركزون على الصوم والصلاة لكي يعتبروا أنفسهم مستحقين للعيد، والمشاركة بالمناولة من الجسد والدم الطاهرين، إضافة الى إحتفالات العيد بآلات الموسيقى المعروفة في تلك الأيام، وحسب المناطق والبلاد، وتجمع الناس في ساحات البلدة للدبكة والغناء.
في زمننا هذا مازال بعض الشيء من هذا، ولكن الجانب العلماني البشري، ويتخلى عن الروحي شيئاً فشيئاً، وإذا وجد أناس متعلقين بالجانب الروحي لمناسبة معيّنة نجد أن التمسك بها يقتصر على بعض المفاهيم والتقاليد الآتية من هنا وهناك، والموروثة عن الآباء والأجداد،

وعلى الأغلب هي مفاهيم ليست دقيقة، وتقاليد ليست مستقيمة.

في صوم عيد السيدة، أي رقاد السيدة العذراء في 15آب يصوم الناس أربعة عشر يوماً، ولكن كيف، وما الخلل فيما يقوم به الناس في الحياة الروحية من خلال ممارساتهم لعباداتهم، ونضرب على ذلك مثلاً في صوم السيدة العذراء:

يتفنن الناس في صومهم. هذا ينقطع عن الزيت، وذاك ينقطع عما وضع على النار، وغيرهم يلتزم بتناول الخضار نيئة، وآخرون يصومون أياماً بلياليها. وفي صوم السيِّدة العذراء عندنا صلاة إبتهالية صغرى، وأخرى كبرى، فعندما نقيم هذه الصلوات لا نجد في الكنائس حتى من بين الصائمين إلا عدداً قليلاً. نتساءل، يا ترى ما الأهم الصوم أم الصلاة. بكل تأكيد لكلٍّ منهما أهميته، ولكن الصلاة هي العمود الأوّل، والأكثر أهمية في الحياة الروحية، لأن الصلاة تعلمك التواضع حتى وبدون الصوم. أما الصوم بدون الصلاة قد يقود النفس الى الكبرياء. والمصلّون يستطيعون أن يصوموا، أما الصائمون فقد لا تُمنح لهم موهبة الصلاة. إذاً التحضير الروحي في المناسبات الكبرى يقوم على أساسين. الصلاة أولاً وقبل كل شيء، وثانياً الصوم. ولكن الكثيرين يقولون هكذا علمتني جدّتي، وهكذا قالت لي أمي، وهكذا نحن نعيش الصوم في رعيتنا، وكأنهم بذلك يذكرونني بما قاله بعض الفريسيين ليسوع المسيح: “هكذا يقول لنا شيوخنا”، فقال لهم: “بتقليدات شيوخكم أبطلتم أعظم ما في الناموس وهو المحبّة”.

وصار الناس يكتفون من العيد بالحفلات والسهرات والثياب والطعام، وهذه كلها بدون التحضير الروحي الذي ذكرت لا معنى لها بالنسبة للعيد، ولكنها تأخذ ألقاً ووهجاً إذا ترافقت هذه المناهج مع الحياة الروحية والتحضيرات من خلال الصلاة والصوم والعطاء.

في مجالات أخرى ينطبق القول على ما أوردنا، مثلاً في مجال الأخلاق: من يعطي في هذه الأيام للأخلاق المسيحيّة أهمية، حتى وفي المجال الكنسي المسيح يوصينا بالتواضع، فمن يتواضع؟ ألم ينطبع عالمنا المسيحي بكبرياء العالم، في الكلام والصدق أصبحنا من أهل هذا العالم، المصلحة الشخصية فوق كل شيء. أما المسيحيّة فلا تعلمنا هكذا. إذا أخطأ شخص ألا يشمت به الخاطئون الآخرون. أما المسيحيّة تعلم المؤمن أن يراقب ذاته، لا أن يراقب الناس. مراقبة الناس والتدخل في الصغيرة والكبيرة، هي من شأن الذين لهم المسؤولية.

في اللباس: لا يخفى على أحد ما علّمته المسيحيّة عن الحشمة في اللباس، وعن اللياقة الداخلية، وأهميتها بالنسبة للحياة الروحية. ووجوب سيطرة اللياقة الداخلية على المظهر الخارجي، وكذلك على الكلام الذي يتوجه به الإنسان الى الناس حتى وبالنسبة لتفكيره الداخلي. فالمسيحيّة تدعو لجمال مناسب لما هو أعلى من جمال العالم الفاني. يناسب ملكوت السموات، والحضرة الإلهية. وإذا قلنا ووجهنا في الكنائس حول السوء فيما وصلت إليه الموضى في هذه الأيام التي تكشف ما كان يعد كشفه سقوطاً أخلاقياً، لا بل كان يؤدي الى ما لا تحمد عقباه. كيف يجيبنا الناس. هذه هي الدنيا، هذه هي الحال. الناس كلهم هكذا، لا يوجد في المحال التجاريّة إلا هذه الثياب أو ما يشاكلها. وكل الأجوبة عبارة عن هروب الوالدين من مسؤوليتهم التربويّة، أو تشبث الأبناء بما يعطيهم العالم الحاضر، وكأنهم بذلك يجدون حريتهم. ولكنهم يجدون في النهاية أنهم قد صاروا عبيداً، وصاروا في أوضاع لا يحسدون عليها.

إذاً الناس يسيرون بحسب ما يعلمهم إياه الناس، وليس بحسب تعليم يسوع المسيح له المجد في الإنجيل وحياة القديسين. ومرّات كثيرة قد تكون الحياة الروحية آتية من الإقتداء بأحد الروحانيين أو المدعين الروحانيّة، ولكنهم يقلبونها على حسب أهوائهم ومصالحهم وما يرضيهم. فلمن نسمع في ما ذكرت، وفيما لم أذكر في هذه الكلمات التي أتوجه بها الى محبتكم. يجب أن نسمع للإنجيل وتعاليم ربنا يسوع المسيح بواسطة رسله وأنبيائه وقديسيه وأوليائه.

أيها الإخوة، يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: “صلي، والصلاة تعلمك كيف تصلي”. نعم أيها الإخوة الأحباء، الصلاة تعلمنا كيف نصلي، ولكنها تعلمنا أشياء كثيرة في الحياة والمسؤولية والعائلة والعلاقات الإجتماعية والإقتصادية. لا يوجد معلم ومهذب أفضل من الصلاة لما تشعله في ذواتنا وطباعنا من أمور إيجابية؟ فلا نبطلها متمسكين بما تعلمناه عن أجدادنا وأسلافنا من أمور لا تفيد، وقد تعيق تقدمنا الروحي، وقد ثبت ذلك في مجتمعاتنا، وما وصلنا إليه من التأوه، وتمني العودة الى سعادة الماضي وهدوئه وسلامه.

يعلمنا الإنجيل أن أهم الأمور التي بها نحضر لأعيادنا ومناسباتنا الروحية هي الصلاة، فلنؤديها في أوقاتها، وخارج أوقاتها إذا استطعنا، ولا نكن مقلدين بدون معرفة لهذا أو لذاك من الأمور. لأن عدم المعرفة، غياب الرؤية الصحيحة. ولا يستطيع الأعمى أن يسير بإستقامة بدون مساعدة. والتعليم المسيحي هو خير قيادة لنا لنبقى في سبل الإستقامة، وتجنب تصرفات المجتمع وتهوراته.

أتمنى لكم أعياداً مباركة، وصوماً مقدساً، وإصراراً على الصلاة بنعمة الثالوث الأقدس لنكون جميعاً في البركة والعيش الحقيقي غير مبطلين أعظم ما في حياتنا الروحية.

باسيليوس

                     مطران عكار وتوابعها