Templates by BIGtheme NET
آخر الأخبار
الرئيسية 5 مقالات المتروبوليت 2016 5 كلمة الراعي – العدد 34

كلمة الراعي – العدد 34

الكلمة التي ألقاها صاحب السيادة

بمناسبة عيد رقاد السيدة العذراء في رعية جبرايل

باسم الأب والإبن والروح القدس الإله الواحد آمين

أيها الإخوة الأحباء،

نصلي اليوم في هذه الكنيسة القديمة العهد، ويمكننا أن نقول أنها من أقدم الكنائس التي لا زالت موجودة في بلادنا، أو في بطريركيتنا. ذكرها البطريرك مكاريوس ابن الزعيم سنة 1649 وهي على اسم الدائمة البتولية السيدة العذراء، والتي تحفل بلاد الدنيا بالكنائس المشادة على إسمها. وكذلك تمتلئ البيوت بالذين سموا على إسمها، وهناك رهبنات عديدة تكرس بها صبايانا حياتهن ليقتدين على قدر الطاقة وما زاد عليها على اسم السيدة العذراء، والإقتداء بالسيدة العذراء. كما يصفها لنا الإنجيلي لوقا، والتي تصفها الكتب المقدسة، مداومة على الكلمة، مثابرة على الصلاة، صابرة في حياتها على دروب الفضيلة والشكر والحمد، كما تصوّرها لنا الكتب المقدسة رفيقة للسيد له المجد، تعتني بتربيته، وتسأل عنه وعن مجيئه، وعن ذهابه وإيابه، عن الأشياء التي يعملها مع ترك مساحات ونوافذ من الحرية حتى وهو طفل. وإذا عاتبت، تعاتبه كإمرأة فاضلة راقية لا صراخ، ولا كلام قاسي، بل تسأول ينمّ عن لطف، قوته تهذب صخور الكبرياء. هذه هي التي نحتفل اليوم بانتقالها من الأرض الى السماء. ليس لأنها المثال ولم تكن فقط المثال والقدوة في حياتها، للذين يريدون فقط أن يعيشوا حياة ما، بل كانت هي الأسمى في هذه الحياة. عرفها الله فحددها لتكون واسطة للسر الذي قبل الدهور لكي تهدم سياج العداوة، وحائط الخصام الذي جلبه الأبوان الأولان في الخطيئة الأولى، أو عندما تدهورت البشرية تدهوراً أخلاقياً شاسعاً واسعاً في وقت من

الأوقات، ولهذا عندما كانت على الأرض، وما زالت فتاة أرسل الله رئيس جنده جبرائيل ليقول لها: إفرحي يا ممتلئة نعمة الرب معك، مباركة أنت في النساء الى آخر التحية. وإذا أرسل الله تحياته برئيس قواته، أو من حاز الرتبة الأولى في القربى من تلك المساكن السامية. نعرف مقدار المرسل إليه هذا السلام، وما أرسل في يوم من الأيام هذا السلام لا لرجل ولا لإمرأة إلا للسيدة العذراء: أيتها الممتلئة نعمة. وكانت ما تزال فتاة في ريعان شبابها يحق لها بحسب تعبيرات الناس أن تعبّر، وأن تتصرف، وأن تتكلم نظير أترابها، ولكن كان قلبها مع الله، ذهنها مع الله، فكرها مع الله دائماً أي الله يملء عليها حياتها. وكانت ما تزال في ذلك العمر من الفتوة والشباب في مقتبل العمر، فاستحقت أن تحصل على ذلك السلام، واستحقت من السيد بطريقة تنويهية أن تسمع ذلك الكلام، بل طوبى لمن يسمعون كلمة الله ويحفظونها، ويقول لنا الإنجيلي لوقا: إنها كانت تحفظ هذا كله في قلبها.

عندما قال لها سمعان الشيخ: سيجوز في نفسك سيف، وسيكون هذا لسقوط وقيام كثيرين في اسرائيل. وبالتالي هي على الأرض المواطنة الأولى. لمن في الدنيا تصلي مليارات الناس، تكرم مليارات الناس، لا نقول مليار أو مليارين. نقول تكرم مليارات الناس، ثلاثة،  أربعة. ما يقارب البشرية بكاملها تكرمها، وتعتبرها تلك القدوة ليس فقط لإناث العالم، ولسيداته، ولفتياته، بل ولرجاله. لأن البتولية ليست هي على حال ما معينة وقفاً على الذين ما تزوجوا، أو على الذين تزوجوا. البتولية هي حالة روحية يعيشها المتزوجون، ويعيشها العازبون. عندما أتكلم عن العازبين ليس الذين يضعون بعض من أموالهم في البنوك، وعندما يستيقظون صباحاً يكونون سكرانين، وإما يلعبون في القمار… ولا يريدون أن يحملوا همّ عائلة، هذا من الشرير، من الشيطان. أقصد هنا الذين تبتلوا، أو قرروا أن يقدموا لله حياتهم في البراري، في الأديار، في الرهبنات، في الأخويات. هؤلاء إذا لم يعيشوا تبتلهم، إذا لم يعيشوا عزوبيتهم أي تكرسهم كما يليق بها من القداسة فهم عزّاب، وليسوا بتوليين. كذلك المتزوجون إذا لم يعيشوا إحترامهم لبعضهم البعض، وتكرسهم لبعضهم البعض فزواجهم دعارة نزاة خطيئة. أما إذا عاشوا ذلك الزواج باحترام، وبمسؤولية، وبمحبة لله وللإنسان، عند ذلك يكونون على درجة عالية من البتولية. أي هي حالة صبغت بها العذراء من كانوا لله صادقين في قولهم وفعلهم.

هي في السماء المواطنة الأولى، ونرنم ونرتل ذلك بقولنا: يا من هي أكرم من الشاروبيم، وأرفع مجداً بغير قياس من السارافيم. هذه الترتيلة بحسب الآباء، آباء الجبل المقدس نزلت من السماء تعليماً لأحد الرهبان المرنمين، وجرت في المسيحية بكل قبول، وبكل فخر وافتخار.

إذاً نحن اليوم نقيم عيداً عظيماً مرتبطاً بالإيمان، والكلمة، والتاريخ، والهوية والتقليد، لا بل والوطنية، نقيم كل ذلك لكي نرفع صوتنا، ونهنئ شعبنا على هذه المحبة العظيمة لوالدته، فصدق شعبه في حبه لوالدته لأنه ظهر مكرماً إياها كل إكرام لأن نفوسكم قد إمتلأت بهذا البهاء، وبهذا الواقع السماوي، وكأن قلوبكم اليوم قد صارت عروشاً للسيدة العذراء تنقلونها الى الناس، لكي تنقل هي أيضاً الناس بشفاعتها الى الأحضان العلوية حيث هناك القديسون الذين يتلألأون معها بذلك النور الذي نقتبس نحن بعضاً منه بفرحنا بهذا العيد.

هذا هو رجاؤنا الى الله أن تبقى العذراء مثالاً لفتياتنا، ومثالاً لشبابنا، مثالاً لرجالنا، مثالاً لسيداتنا، مثالاً لكل صاحب عمل أن يكون قائماً في الطهارة، وفي خوف الله لكي لا يكون إنسان على الأرض مخيفاً، ولا مرعباً إلا للأشرار، هذا هو رجاؤنا الى الله، وهذا هو عيدنا أعاده الله عليكم جميعاً بالصحة والعافية والثبات على الإيمان والأخلاق الطيّبة. آمين.

باسيليوس

                     مطران عكار وتوابعها