Templates by BIGtheme NET
الرئيسية 5 مقالات المتروبوليت 2016 5 كلمة الراعي – العدد 41

كلمة الراعي – العدد 41

كلمة الراعي

ربنا موجود

الإخوة والأبناء الأحباء،

كان بطريرك الأقباط الأنبا شنودة رحمه الله يقول في كل ظرف من ظروف حياته، وأمام الصعوبات خاصة (ربنا موجود)، وصارت الكلمة هذه من عباراته المشهورة بين المؤمنين. وكان بهذه العبارة يظهر إيماناً عميقاً في أوقات الشدَّة واليأس.

وبالفعل قد شعرت بقوة وجود الله خلال الرحلة التي زرت بها عدداً من بلاد الغرب: إيطاليا، الجبل الأسود وصربيا. فالبرغم من قولنا أن بلادنا بلاد الإيمان إلا انهم يتفوّقون علينا إيماناً وتطبيقاً للإيمان، ولا أدل على ذلك من ورعهم في كنائسهم، وحسن ترتيبها، ومهابتهم في دخولها. متى كان كل الناس مؤمنون؟ متى كان كل الناس عابدون؟، ولهذا لا يصير أن نقرن العدد بالحالات الإيمانية فكم من الأفراد ردّوا جماعات الى طريق الرب.

في بلادنا نخجل أن نقول أنني لا أؤمن بوجود الله، وأنا غير مؤمن أو ملحد، لأن الناس سينظرون إلينا باستهجان. أما هناك فأنت إما مؤمن، أو غير مؤمن، ولا أحد يهمُّه ذلك. يهمهم أن تكون إنسان على سويّة أخلاقية عالية لا تسمح لك أن تؤذي أحداً بأي شكل من الأشكال. هذا النظام، والنظافة، والترتيب، وحسن الأخلاق، جعلني أقول ومن أعماق ذاتي ربنا موجود، والروح يهب حيث يشاء. ولكن التأكيد الكبير على هذا الشعور بأن ربنا موجود وجدته في الجبل الأسود، وهو قطعة من يوغوسلافيا القديمة، والآن لها حكومة مستقلَّة. عندما حضرنا تكريس كنيسة جديدة في مدينة ساحلية وجميلة جداً أدهشنا العدد الكبير من المؤمنين الواقفين من الصباح الى الحادية عشرة والنصف ما يقارب الأربع ساعات بمن فيهم الصغار والكبار. فمن

أبقى هذا الإيمان في قلوب الذين عبروا نظاماً قاسياً ضد الإيمان، وتربوا على مبادئ ترفض وجود الله. فكان وجودهم، وصبرهم، وغيرة إيمانهم دلالة على وجود الله في تلك القلوب الخاشعة وتلك البقاع الجميلة.

أما ما رأينا في دير القديس باسيليوس اوستروستكى فكان مذهلاً للفكر وللنظر.

إنسان راقد منذ ماءتي عام، وفي منطقة صعبة من جبل نسك به القديس. يصعد الزائرون الى الجبل مشياً على الأقدام. كباراً وصغاراً بالرغم من وجود الطريق الاسفلتي الى ساحة المزار. لأن الأرثوذكسية تعلمنا أن الإيمان ليس فذلكة فكرية، بل عيش رضا الله بالنفس والجسد. ولهذا نراهم يأتون من اليوم السابق ليحصلوا على بركة رفاة القديس، ويصطفون بالمئات لا بل بالآلاف في سلسلة طويلة ينتظر فيها الزائر الساعات ليصل الى رفاة القديس ويتبرك منه. لا يزعج أحدهم أحداً بل يتقدمون ببطء يحملون مسابح الصلاة، ويركزون في أذهانهم على معاني الكلمات، ومتأملين في حياة القديس.

قال لي أحدهم لو حاولت الحكومة أن تجمع هذا العدد من الناس، وبهذه الكيفية لما استطاعت أن تجمع مئة شخص، وهؤلاء موجودون، والقديس متوفي منذ مائتي عام، إنه عمل الله. بالحقيقة دلالة ذلك (ربنا موجود)، ويعمل بين الناس في كل عصرٍ ومصر.

الحادثة الأخيرة التي أريد أن أذكرها هي عيد رفع الصليب في أبرشية شومادّيا حيث إنتهينا من القداس عند الساعة الحادية عشرة، وكانت الكنيسة غاصة بالمؤمنين، ولكن بعد القداس بقي الناس يتوافدون الى الكنيسة لإضاءة الشموع، والسجود لرمز الخلاص حتى المساء. فقال لي المطران يعبر اليوم آلاف الناس لإضاءة الشموع، والتبرك، وليس هنا فقط بل وفي كنائس المدينة كلها. ومدينة كراكويافتش من كبريات مدينة صربيا. هذه الحوادث كلها تؤكد أن ربنا موجود حي، فاعلٌ حضوره حتى في أقسى الظروف، وأشدها ظلاماً.

نسأل الله أن يعطينا قوة الإيمان والصبر والجلد على إختباره في حياتنا بكافة توجهاتنا ومجالاتها. لكي نكون نحن أيضاً صرخة في ليل الأمم (ربنا موجود).

باسيليوس

                     مطران عكار وتوابعها