Templates by BIGtheme NET
الرئيسية 5 Featured 5 كلمة الراعي – العدد 2

كلمة الراعي – العدد 2

كلمة الراعي

أفراح الكنيسة في الليتورجيا

الإخوة والأبناء الأحباء،

ها هي مواسم الأعياد تسحب أزيالها بتقدم الأيام ومرورها، ولا تكاد تختفي حتى تظهر شموس أفراح الصوم الكبير مع مقدماته من الآحاد التي نتهيأ بفضائلها لدخول زمن الفرح الروحي الأكبر بين مواسم الروح في الكنيسة. ومن لا يتابع التسلسل الليتورجي، وما يرتبط به من أفراح إجتماعية يبقى كالعصفور المغرِّد خارج السرب.

لأن الليتورجيا تقود خطانا في طرق عيش حياة الجماعة والمجتمع، وتسعى لتزيد الروابط فيما بيننا خلال هذه الأيام المجيدة على إختلاف مواسمها وأعيادها.

1- نتكلم أولاً عن فرح الأطفال في مواسم الأعياد الروحيّة. والأطفال كيفما كان فرحهم، ينصبُّ في مجال بناء الروح والشخصيّة، ولا زلنا حتى هذه الساعة نتكلَّم عن سعادتنا عندما كنا نشارك الأكبر منا سناً في ذات المناسبة أولئك بالتحضير والتعب لإسعادنا، ونحن بالإستهلاك، وتوقع حلول الأوقات المناسبة. كباراً وصغاراً كنا نحتفل بالسهرات العائلية، ونذهب الى العين صباحاً باكراً للإغتسال، والشتاء في أقسى أيامه.

2- الكبار كانت أفراحهم عظيمة بإجتماع الإخوة والعائلات مع بعضهم يتبادلون الأنخاب، ويتعاونون على إنجاح سهرتهم، وليس في أذهانهم لا إستغلال، ولا نكد، ولا تكبر، بل فرح وإبتهاج.

لكل عيد طعامه، وبعض الخصوصيات المتعلّقة به. هذه الليتورجيا الشعبيّة نمت عبر العصور المسيحيّة فلم يكن هكذا منذ البدء.

فعندما غابت المدارس اللاهوتية عن الرعايا بسبب ظروف التعب،

والإحتلالات المتتالية. ولكي لا يفقد الناس هويّتهم وإنتماءهم الروحي عمدت الكنيسة بمساعدة المؤمنين على إيصال الكلمة الإلهيّة من خلال طقوس إجتماعيّة عامة وبيتية خاصة. وما كان يميّز تلك الأيام، إرتباط الحياة الإجتماعية والماديّة بالحياة الروحيّة. أولاً التقديس، وبعد ذلك الأفراح الإجتماعيّة التي كانت ترتبط حوالي الأديار بما يسمى (العرضة) أي يعرض الناس منتوجاتهم فيتألف سوق شعبي كبير. ولا زالت بعض آثاره الى هذه الساعة في الأديار الكبرى، وما كنا ولا كانوا يسمعون كلمات كما نسمع في هذه الأيام (شو!) صارت الدنيا تجارة؟، والكنيسة سوق؟. كان الناس يعرفون أنهم يعيشون حياة الكنيسة بحياتهم بأشكالها الشتى.

الأفراح التي رتبتها الكنيسة، وبالطريقة التي كانت توحي بتنفيذها كانت تزيد من الروابط الإجتماعيّة. معاً يفرح الناس، ومعاً يحزنون، أمّا في أيامنا هذه فالناس يقيمون الحفلات الكبرى، ولكن لا كجماعة بل كأفراد يعيشون الحفل كلٌّ في عالمه، وكم من الحوادث المؤسفة تحدث وتعكر صَفْوَ الناس. كانت الأفراح قليلة التكاليف، ومما هو موجود. اليوم التكاليف باهظة ولا يشعر الإنسان أن هذا الفرح له علاقة بذاته. أفراح الكنيسة الإجتماعيّة آنذاك كانت تبعد الأنانية. أفراح اليوم على ضخامتها وكثرتها يغيب الروح عنها، وتنغمس في الماديات، وتغوص في الأنانيات. يحاول البعض أن يعيد بعض فلوكلور تلك الأيام، ولكن التساؤل أين هو الروح، والحياة الروحيّة في هذه الأفراح والمناسبات. كلنا نقيم رأس السنة وحفلاته، ولكن من يذهب الى الكنيسة ليكون زمنه مباركاً، وكذلك سهرة عيد الغطاس، وسهرة عيد الميلاد. الكنيسة تطلب للناس الفرح الداخلي، لأن ملكوت الله في داخلنا. يقول الرسول بولص في رسالته الأولى الى أهل كورنثوس “إنكم تأكلون في بيوتكم” أي ينبِّهُ أهل كورنثوس الذين عملوا على الإبتعاد عن بعضهم البعض في موائد المحبّة “أليس لكم بيوت تأكلون فيها. فلماذا يتمايز أغنياؤكم عن فقرائكم. وهنا نقول لماذا نقوم باحتفالات في المواسم الكنسيّة إذا لم نتشارك معاً بعشاء الرب والمناولة من جسده الطاهر ودمه الكريم، ونجتمع مع بعضنا البعض.

في الكنيسة أيضاً فكما يفرح الشخص مع الجماعة، كذلك الجماعة تفرح مع الشخص في كل الكنيسة، في كل يوم عيد لأحد القديسين. وقد إتخذ التقليد في الكنيسة أن يدعى الشخص على أسم أحد القديسين تيمناً ببركاته وإقتداءً بمثله وطرق حياته المقدّسة. وإكراماً لهذا القديس يقوم الحاملون تذكار القديس في يوم معيّن بإعلان اليوم على مدار السنين عيداً خاصاً لهم، والى عهد قريب وحتى هذه الأيام هناك من يقوم بهذه العادة. وبعد الصلاة يهنئ المؤمنون الشخص صاحب التذكار، وكثيرون يزورونه في بيته فيفرح هو بوجود الناس من حواليه معلنين عن محبتهم وتقديرهم له.

هناك بعض العادات الكنسيّة الأخرى التي بطلت في بلدان كثيرة وصلت محلها التصرفات الفرديّة والأنانية. يسكن أهل البناء الواحد لسنوات ويلتقون، ولكن لا سلام ولا كلام مع بعضهم لا بل يبقون غرباء عن بعضهم البعض.

في الأحزان. يذهب الأخصاء للتعزيّة ثم ينتقلون الى الشراب والطعام، وكأنهم يريدون أن يضعوا للماضي حداً. أما في العادات الشرقية المرتكزة على الحياة الدينيّة كم يتعزى أصحاب العزاء بكثرة الناس من حولهم.

نعم أيها الإخوة الأحباء،

فكما نعود في كل صيف لنقيم ليالي القريّة، ونفرح مع بعضنا البعض باللقاء وشدِّ أواصر التعارف. هكذا لنعود الى تلك الأيام ببساطتها وقدسيتها وفرحها ولنعيد إليها بالتزامنا تقاليد الآباء والأجداد رونقها وبهاءها. ولنعشها بما تستحقه من حياة روحيّة وفرح مقدَّس بالمحبّة التي بنعمة الله ستزداد بين الناس الغيورين على إيمانهم ومجتمعهم.

أسأل الله أن يجعل من أيامكم كلّها فرح وسلام وأعياد.

باسيليوس

                     مطران عكار وتوابعها